يشهد مفهوم «المجتمع» تحولًا صامتًا ولكنه عميق. ففي عام 2026، اعتمدت أكثر من 340 مدينة حول العالم منصات حوكمة تشاركية تدمج الذكاء الاصطناعي، وفقًا لإحصاء نشرته شبكة Cities Coalition for Digital Rights في مارس. تتيح هذه الأدوات — مثل Decidim في برشلونة، و Consul في مدريد، و DemocracyOS في بوينس آيرس — للمواطنين اقتراح المشاريع المحلية ومناقشتها والتصويت عليها في الوقت الفعلي، مع خوارزميات تقوم بتلخيص المساهمات، وتحديد الإجماع، والتنبيه إلى النقاط العمياء. (المصدر: Cities Coalition for Digital Rights, Nesta Foundation)

ينتشر النموذج الأكثر تقدمًا في سيول، حيث تجاوزت منصة «mVoting» 12 مليون مشاركة في فبراير 2026. يمتلك كل مواطن محفظة من «الرموز المدنية» الرقمية يخصصها للمشاريع التي يختارها — تجديد حديقة، تمديد خط حافلات، تركيب نقاط شحن. يحلل الذكاء الاصطناعي أنماط التصويت للكشف عن الاحتياجات الناشئة قبل أن تصبح مطالب: في عام 2025، توقع النظام قبل ستة أشهر تشبع شبكة رياض الأطفال في ثلاث مناطق، مما سمح لمجلس المدينة بالتحرك بشكل وقائي. (المصدر: Seoul Metropolitan Government, MIT Technology Review)

في أوروبا، يمول برنامج «المواطنون الرقميون» التابع للمفوضية الأوروبية، والذي تبلغ قيمته 2.8 مليار يورو للفترة 2025-2030، نشر هذه الأدوات في المدن التي يزيد عدد سكانها عن 50 ألف نسمة. أطلقت فرنسا في يناير 2026 برنامج «المدن المتضامنة» الذي يربط 42 بلدية رائدة عبر منصة واحدة لتقاسم الموارد: يمكن لسكان روبيه استعارة أداة من جار في توركو، أو الإبلاغ عن الحاجة إلى مساعدة غذائية، أو تقديم خدمة مشتركة للتنقل التضامني، كل ذلك بتنسيق من مساعد ذكاء اصطناعي متعدد اللغات. تظهر النتائج الأولية زيادة بنسبة 28% في التفاعلات الجوارية خلال ثلاثة أشهر. (المصدر: المفوضية الأوروبية، وزارة التحول الرقمي)

لا يقتصر التضامن الرقمي على الدول المتقدمة. ففي كينيا، تطورت منصة Ushahidi — التي نشأت عام 2008 لرسم خرائط العنف ما بعد الانتخابات — إلى أداة لإدارة المجتمع يستخدمها أكثر من 400 قرية. يتبادل المزارعون بيانات الطقس المحلية الفائقة، وتشير المستوصفات إلى نقص المخزون من الأدوية، وتنسق المدارس النقل المدرسي. وقد تم تكرار النموذج في بنغلاديش والسنغال وكولومبيا. وتقدر الأمم المتحدة أن هذه المنصات قللت بنسبة 34% من وقت الاستجابة للأزمات المحلية في المناطق الريفية التي يتم نشرها فيها. (المصدر: Ushahidi, برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)

لا تخلو الانتقادات. يحذر باحثون من معهد أكسفورد للإنترنت من خطر «الاستقطاب التشاركي»: يهيمن المواطنون الأكثر اتصالاً وتعليمًا على المنصات، مما يعكس في الفضاء الرقمي عدم المساواة الموجودة في الديمقراطية التمثيلية. في باريس، أظهرت دراسة أجراها CNRS أن 72% من المقترحات المقدمة على منصة الميزانية التشاركية جاءت من سكان الدوائر الأكثر امتيازًا. الحل يكمن في التصميم الشامل — واجهات مبسطة، ووساطة بشرية، ونقاط وصول عامة — ولكن أيضًا في الاعتراف بأن التكنولوجيا لا تحل محل النسيج الاجتماعي: بل تضخمه، للأفضل والأسوأ. (المصدر: Oxford Internet Institute, CNRS)